حين يدخل الذكاء الاصطناعي ”المجلس” العربي: كيف أصبح ”الجات جي بي تي” حكيم بيوتنا؟

لم تعد علاقتنا بالعالم الرقمي مجرد مسألة نفعية يومية عابرة، بل تطورت إلى حالة من التأثير المتبادل الذي يعيد صياغة السلوك الاجتماعي داخل الأسرة العربية. ومع اقتحام الذكاء الاصطناعي لمساحة ”المجلس” تلك المؤسسة التي عُرفت تاريخياً بكونها مركزاً للحكمة، والتاريخ الشفوي، والخبرات الجماعية بدأت موازين المعرفة في الاختلال؛ إذ تحولت الخوارزميات إلى شريك خفي في اتخاذ القرار، وتفسير الأحلام، وحتى إدارة المشاعر. هذا التحول يتجاوز القصص الشخصية ليشير إلى تطور اجتماعي وثقافي أوسع نطاقاً

ابن سينا” الرقمي: كاتم أسرار العائلة الجديد

غالباً ما يتجلى الانتقال من الحدس البشري إلى المشورة الخوارزمية في اللحظات الأكثر خصوصية. ففي تمام الساعة 3:31 فجراً، استيقظتُ مؤخراً على اتصال هاتفي من شقيقتي التي انتابها القلق بسبب كابوس مزعج. وبينما رفضت في البداية مشاركتي تفاصيله، كشفت لاحقاً أنها قد سردت الحلم بالفعل لبرنامج ”الجات جي بي تي”.

بالنسبة لها، أصبح النظام بمثابة ”ابن سينا” المعاصر لتفسير الأحلام. وتوضح قائلة: ”التحدث مع الذكاء الاصطناعي يمنحني حرية أكبر، لأنه لا يصدر أحكاماً مسبقة ويسمح بمناقشة أي موضوع مهما بلغت حساسيته”. هذا الشعور يجد صدىً في توجهات إقليمية أوسع، حيث يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد كرفيق يومي.

وبعد أيام قليلة، اتخذ نقاش مع والدي بشأن علاقة عاطفية تخص شقيقي منعطفاً غير متوقع؛ فبدلاً من الرد بحكمته الشخصية المعهودة، بدأ والدي يستشهد بآراء ”خبير علاقات” يُدعى ”جات جي بي تي”. كانت تلك لحظة إدراك فارقة: شقيقتي المراهقة ووالدي، المهندس الاستشاري في أواخر الستينيات من عمره، كلاهما أصبح رفيقاً مقرباً من هذه الأداة الذكية. ربما باتت الخوارزمية الآن تعرف عن الديناميكيات الداخلية لعائلتي أكثر مما أعرف أنا.

سرعة التبني والانتشار

تعد السرعة التي دخلت بها هذه التقنيات إلى المنازل غير مسبوقة. فبينما استغرقت التقنيات السابقة مثل الإنترنت أو الهواتف المحمولة عقوداً لتصل إلى مرحلة التشبع، وصل ”الجات جي بي تي”  التابع لشركة ”اوبن اي اي”  إلى 400 مليون مستخدم بحلول فبراير 2025. ولا تقتصر هذه الديموغرافية على الشباب؛ فبينما تمثل الفئة العمرية (18-34 عاماً) نحو 56.6% من المستخدمين، يظل التبني كبيراً عبر جميع الفئات العمرية.

وفي بلاد الشام والعراق، يتزايد الوعي بدمج الذكاء الاصطناعي بشكل كبير. ففي العراق، تبدو قاعدة هذا التحول الرقمي واسعة بشكل ملحوظ؛ ووفقاً لبيانات وزارة التخطيط العراقية لعام 2022، يستخدم 86% من المواطنين (من سن الخامسة فما فوق) الهواتف المحمولة، ويمتلك 92% منهم هواتف ذكية.
وفي المراكز الحضرية مثل بغداد، يكاد الاستخدام يكون شاملاً، حيث يستخدم 97% من الأفراد الأجهزة المحمولة، ويصل 96% منهم إلى الإنترنت. ورغم وجود فجوة جندرية (85% من الذكور يستخدمون الإنترنت مقابل 72% من الإناث) وفجوة بين الريف والحضر (83% مقابل 92% على التوالي)، فإن معدل وصول الأسر للإنترنت البالغ 87% يوفر البنية التحتية اللازمة لانتشار الأدوات الذكية في الحياة اليومية.

المصدر: الجهاز المركزي للاحصاء العراقي (2022)

أزمة الدقة و”الهلوسة” الرقمية

مدفوعاً بهذه الملاحظات، قررتُ اختبار مدى موثوقية النظام. سألتُ ”الجات جي بي تي” عن الحالة الاجتماعية لزميلة معروفة، وهي معلومات يمكن الوصول إليها بسهولة عبر الإنترنت، فما كان من النظام إلا أن نسج رواية كاملة مختلقة عن حياتها الخاصة. وعند مواجهته، دافع عن ادعاءاته بثقة ”شاهد عيان” لا يقبل التشكيك.

هذه الثقة قد تؤدي إلى مخاطر مادية حقيقية. فخلال رحلة عائلية من شمال أوروبا إلى تركيا، طلبتُ مساراً للقيادة، فاقترح النظام طريقاً يمر عبر أوكرانيا، رغم كونها منطقة حرب نشطة. وعندما ذكرتُ الخوارزمية بالصراع القائم، أصرت بهدوء على أن ”المناطق المقترحة تعتبر آمنة”.

يسلط هذا الضوء على ظاهرة تقنية تُعرف باسم الهلوسة، حيث ينتج النموذج معلومات ذات بنية منطقية ولكنها خيالية تماماً. وفي مجتمع مبني على الثقة والتقاليد الشفوية للمجالس، لا يكمن الخطر في ارتكاب الأداة الذكية للأخطاء فحسب، بل في تقديمها لتلك الأخطاء بسلطة تجعلنا نتوقف عن التحقق منها.

لقد قدمت دراسة (عربي ام ام ال يو) لعام 2024 دليلاً علمياً على هذه الأزمة؛ إذ كشفت أن الأدوات الذكية تعاني من ’فجوة أداء’ واضحة عند التعامل مع اللغة العربية، مما يجعلها تفتقر إلى الإطار المنطقي والثقافي العميق. وهذا يفسر لماذا تبدو هذه الأدوات واثقة تماماً وهي تسرد معلومات خيالية أو غير دقيقة في مجالسنا.

الجسر بين ”المجلس” والتقنيات الحديثة

المجلس ليس مجرد غرفة؛ إنه مؤسسة اجتماعية قائمة على الثقة والتجربة الإنسانية المشتركة. لذا، فإن إقحام أداة ذكية في هذا الحيز ـ وهي التي لم تشم رائحة النعناع يوماً، ولم تسمع أمثال الجدات، أو تشعر بثقل الصمت العائلي ـ يمثل مفارقة ثقافية عميقة.

ومع ذلك، تحاول المنطقة التوفيق بين هذين العالمين من خلال الابتكار المحلي. ويمثل تطوير النماذج اللغوية الكبيرة الموجهة للعربية، مثل نموذج علام في المملكة العربية السعودية، تحولاً استراتيجياً نحو تقنية تفهم اللهجات المحلية، والثقافة، والسياقات التنظيمية. وتهدف هذه النماذج إلى توفير الملاءمة والموثوقية التي تفتقر إليها النماذج العالمية المتمحورة حول اللغة الإنجليزية.

آراء الخبراء في الفجوة الرقمية

يشير عمر الزهاوي، خبير الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، إلى أن قيمة هذه الأدوات تختلف بشكل كبير حسب مستوى مهارة المستخدم. ويشرح قائلاً: ”الأفراد ذوو المهارات المتوسطة أو المحدودة قد يستفيدون من الذكاء الاصطناعي في التنظيم الأساسي، بينما يحصل ذوو الخبرة المتقدمة حالياً على قيمة هامشية فقط، مثل المساعدة في التلخيص”.

وتشير أبحاث حديثة من جامعة ولاية بنسلفانيا إلى أن الطريقة التي نتفاعل بها مع هذه الأدوات الذكية تؤثر على أدائها؛ حيث وجدت دراسة أن الاستفسارات المصاغة بنبرة ”وقحة” أو هجومية تفوقت باستمرار على الأسئلة المهذبة، إذ بلغت معدلات الدقة للأسئلة غير المهذبة 84.8% مقارنة بـ 80.8% للأسئلة المهذبة.

ويحذر الزهاوي من أن الاعتماد المفرط من قبل ذوي الثقافة الرقمية المحدودة قد يؤدي إلى مشكلات اجتماعية ناجمة عن التضليل الإعلامي، قائلاً: ”يتصور الناس الذكاء الاصطناعي كعقل خارق، بينما هو في الواقع نموذج لغوي يتنبأ بما يجب أن يقال بناءً على بيانات التدريب

خاتمة: الطريق إلى الأمام

يواجه الشرق الأوسط رحلة رقمية فريدة من نوعها. وبينما توجد مخاوف بشأن ”الفجوات المعرفية” وتراجع ثقافة القراءة، يتيح الذكاء الاصطناعي الوصول إلى مصادر ووجهات نظر قد لا يصادفها الكثيرون بخلاف ذلك. إن مستقبل المجلس العربي لن ينتمي على الأرجح للأداة الذكية وحدها ولا للبشر وحدهم، بل سينتمي لأولئك الذين يمكنهم الحفاظ على مهارة النقد والتمحيص التي تميز بها المجلس، أثناء إبحارهم في المعرفة الواسعة ـ والمشوبة بالعيوب أحياناً ـ التي توفرها التقنية.



Safa Al-Khalidi, 17 helmikuuta 2026

, , , , ,


Jaa artikkeli

Facebook
Twitter
LinkedIn
Email

Seuraava artikkeli

Sota palasi Libanoniin